السيد محمدحسين الطباطبائي
88
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
ومرجعه إلى أن في القرآن اختلافا بين الآيات لا يرتفع إلّا بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا تفهمها عامة الأفهام ، وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » ، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بأن يقال : إنه أريد بإحداهما أو بهما معا غير ما يدل عليه الظاهر بل معنى تأويلي باصطلاحهم لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه مثلا لم تنجح حجة الآية ، فإن انتفاء الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام ولو كان لغير اللّه أمر ممكن ، ولا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر ، إذ من الواضح أن كل كلام حتى القطعي الكذب واللغو يمكن إرجاعه إلى الصدق والحق بالتأويل والصرف عن ظاهره ، فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام من يتعالى عن اختلاف الأحوال ، وتناقض الآراء ، والسهو والنسيان والخطأ والتكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية ، فالآية بلسان احتجاجها صريحة في أن القرآن معرض لعامة الأفهام ، ومسرح للبحث والتأمل والتدبر ، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي ، وكلا أن فيه أحجية وتعمية . وأما القول الثالث فيرد عليه : أن اشتمال الآيات القرآنية على معان مترتبة بعضها فوق بعض وبعضها تحت بعض مما لا ينكره إلّا من حرم نعمة التدبر إلّا أنها جميعا - وخاصة لو قلنا إنها لوازم المعنى - مداليل لفظية مختلفة من حيث الانفهام وذكاء السامع المتدبر وبلادته ، وهذا لا يلائم قوله تعالى في وصف التأويل : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، فإن المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا تختلف فيها الأذهان من حيث التقوى وطهارة النفس بل من حيث الحدة وعدمها ، وإن كانت التقوى وطهارة النفس معنيين في فهم المعارف الطاهرة الإلهية لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية كما هو ظاهر قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . وأما القول الرابع فيرد عليه : أنه وإن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر ، فإنه وإن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص
--> ( 1 ) النساء - 82 .